ابن كثير

317

البداية والنهاية

سوي له على كل كتف رأس بوجه مستدير ، والوجهان إلى ناحية واحدة فسبحان الخلاق العليم . وبلغنا أنه في هذا الشهر ( 1 ) سقطت المنارة التي بنيت للمدرسة السلطانية بمصر ، وكانت مستجدة على صفة غريبة ، وذلك أنها منارتان على أصل واحد فوق قبو الباب الذي للمدرسة المذكورة ، فلما سقطت أهلكت خلقا كثيرا من الصناع بالمدرسة والمارة والصبيان الذين في مكتب المدرسة ، ولم ينج من الصبيان فيما ذكر شئ سوى ستة ، وكان جملة من هلك بسببها نحو ثلاثمائة نفس ، وقيل أكثر وقيل أقل ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وخرج نائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر إلى الغيضة لاصلاحها وإزالة ما فيها من الأشجار المؤذية والدغل يوم الاثنين التاسع والعشرين من الشهر ، وكان سلخه ، وخرج معه جميع الجيش من الأمراء وأصحابه ، وأجناد الحلقة برمتهم لم يتأخر منهم أحد ، وكلهم يعملون فيها بأنفسهم وغلمانهم ، وأحضر إليهم خلق من فلاحي المراج والغوطة وغير ذلك ، ورجع يوم السبت خامس الشهر الداخل وقد نظفوها من الغل والدغل والغش . واتفقت كائنة غريبة لبعض السؤال ، وهو أنه اجتمع جماعة منهم قبل الفجر ليأخذوا خبزا من صدقة تربة امرأة ملك الأمراء تنكز عند باب الخواصين ، فتضاربوا فيما بينهم فعمدوا إلى رجل منهم فخنقوه خنقا شديدا ، وأخذوا منه جرابا فيه نحو من أربعة آلاف درهم . وشئ من الذهب وذهبوا على حمية ، وأفاق هو من الغشي فلم يجدهم ، واشتكى أمره إلى متولي البلد فلم يظفر بهم إلى الآن ، وقد أخبرني الذي أخذوا منه أنهم أخذوا منه ثلاثة آلاف درهم معاملة ، وألف درهم بندقية ودينارين وزنهما ثلاثة دنانير . كذا قال لي إن كان صادقا . وفي صبيحة يوم السبت خامس جمادى الأولى طلب قاضي القضاة شرف الدين الحنفي للشيخ علي بن البنا ، وقد كان يتكلم في الجامع الأموي على العوام ، وهو جالس على الأرض شئ من الرعظيات وما أشبهها من صدره ، فكأنه تعرض في غضون كلامه لأبي حنيفة رحمه الله ، فأحضر فاستتيب من ذلك ، ومنعه قاضي القضاة شرف الدين الكفري من الكلام على الناس وسجنه ، وبلغني أنه حكم بإسلامه وأطلقه يومه ، وهذا المذكور ابن البنا عنده زهادة وتعسف ، وهو مصري يسمع الحديث ويقرأه ، ويتكلم بشئ من الوعظيات والرقائق ، وضرب أمثال ، وقد مال إليه كثير من العوام واستحلوه ، وكلامه قريب إلى مفهومهم ، وربما أضحك في كلامه ، وحاضرته وهو مطبوع قريب إلى الفهم ، ولكنه أشار فيما ذكر عنه في شطحته إلى بعض الأشياء التي لا تنبغي أن تذكر ، والله الموفق ، ثم إنه جلس للناس في يوم الثلاثاء ثامنه فتكلم على عادته فتطلبه القاضي المذكور فيقال إن المذكور تعنت انتهى والله أعلم .

--> ( 1 ) في بدائع الزهور 1 / 575 : في سادس ربيع الأول .